كَشْف الحِجَاب عن مَشْرَبِيَّات القاهرة

مراجعة

أميرة زرقوني
١٩ يناير ٢٠٢٦

الوصف

عمارة

سنستكشف في هذه المقالة الشبابيك البارزة التاريخية، المصنوعة من الخشب الخرط، والمُسْتَخدَمَة في تغطية النوافذ في البيوت الإسلامية.كانت تُصنع هذه الشبابيك بطريقة تسمح بدخول تهوية كافية للمسكن وإضاءة ما بداخله بدون كشف عورات أهل البيت للجيران أو المارة في الطريق.ويُعتقد أن أصل كلمة ”مَشْرَبِيَّة“ تأتي من كلمة ”شَرَبَ“، وهي إشارة للجرار الفخارية التقليدية لشرب الماء التي كانت توضع أمام هذه الشبابيك لتبردها.

تذكر كُتُب السفر الإرشادية والمجلات الدورية نوعًا من الزخارف الشائعة على واجهات القاهرة التاريخية والمدينة في مالطا: ألا وهي شبابيك المشربية.وصل هذا النموذج المعماري لأوج تطوره الفني خلال العصر المَمْلوكي (١٢٥٠–١٥١٧م)، لكن نشأته تعود للعصر الطولوني (٨٦٨–٩٠٥م).وتوسع مدى انتشاره الجغرافي من بيرو إلى الهند ومن إسبانيا إلى السودان.تغير مصطلح المَشْرَبِيَّة في اللغات الأخرى إلا أنه بقي كما هو عليه في مصر وبلاد الشام. يُطْلَق على المَشْرَبِيَّات اسم برمقلي في دول المغرب العربي، ومُشَبِّك في إيران، وروشن في دول الخليج، وجومبا في تركيا.وأصل الكلمة يشير إلى إحدى وظائف المشربية: حيث تأتي ”المشربية“ من كلمة ”شرب“، أي أن الشُبَّاك له علاقة بالماء. كانت القُلَّة أو ”الجَرَّة الصغيرة“ توضع في شرفة المشربية لتبرد الهواء الداخل.أما عن مسماها المغربي، ”برمقلي“، فهو من أصول عُثمانية يعني ”شبكة“ أو ”درابزين“، وهو الآخر مستوحى من أصابع اليد.وتتضح أصوله العُثمانية من أصل الكلمة (بارماق أي إصبع)، وذلك لأن أنماط الدرابزين في تلك الفترة عادة ما كانت تحاكي منحنيات الأصابع، جاعلاً الدرابزين يشبه شكل اليد.

 

وأصل كلمة مَشْرَبِيَّة هي دلالة كذلك على الخامة المصنوع منها وهو الخشب الذي يطلق عليه اسم مُشَرَّب، وهو نوع من الأخشاب معروف بمقاومته لحرارة أشعة الشمس.إن تِقْنِيَّات خراطة الخشب الرفيعة والتي وصلت مصر فيها لذروة الإتقان والبراعة، تظهر الرابطة المُنَمَّقة بين طريقة التعشيق باللسان والنقرة لتكون شبابيكًا خشبية بالخرط في غاية الجمال، وتخلق أنماطاً بديعة.ومما يضفي صبغة مصرية أخرى للمَشْرَبِيَّة هو الشكل والهيئة المستطيلة لشُبَّاك المشربية، على عكس المشربية الليبية التي تكون شبه أسطوانية.في بلاد المغرب العربي، تُلَوَّن المشربيات باللون المتماشي مع الطراز المعماري المحيط، في حين أن في مصر والشام، تبقى المشربيات على لون خشبها الأصلي.إن الاختلافات بين المشربيات تعتمد في المجمل على تنوع الأرابيسك، وعدد قطع خشب الخرط لكل ياردة مربعة، وسُمك الدرابزين.وبالفعل، يمكن تحديد أنماط المَشْرَبِيَّة حسب موقعها الأصلي.على سبيل المثال، هناك نمط مشربية شائع في مصر يسمى الميموني (يُعرف بوصلاته المربعة وأجزاءه الأسطوانية) ويوجد كذلك النمط الصهريجي (ويتكون من وحدات خرط رأسية ونهاياته المستطيلة).تختلف الأنماط في المَشْرَبِيَّة ولها عدة أشكال هندسية، لكن في معظم البلدان تُزخرف المَشْرَبِيَّة بكتابات بالخط العربي، ومنها كتابات اسم الجلالة ”الله“ أو البسملة، مما يخلق ذوقًا بصريًا يوحي بالانتماء للأُمَّة الإسلامية.

 

فمنذ العصر الطولوني إلى العصر المَمْلوكي، تطورت المَشْرَبِيَّة وفق العادات الاجتماعية والظروف البيئية.أولًا، كانت المَشْرَبِيَّة هي نتاج تحقيق متطلبات الخصوصية في الثقافة الإسلامية والفَصْل بين الفضاء العام والفضاء الداخلي.وَفَّرَت المشربيات حميمية خاصة في قاعات الحرم وسمحت للنساء في داخل هذه القاعات بأن ترى ما يحصل في الخارج بدون أن يراها أحد.ثانيًا، كانت المَشْرَبِيَّات ضرورية خاصة في مناخ الشرق الأوسط لأنها وازنت بين إدخال الضوء الطبيعي والتهوية، وتلطيف الجو في الداخل عن طريق المياه في القُلُل الموجودة في الشُرُفات.يوجد مثال موثق على الاستخدام العملي للمَشْرَبِيَّة في المباني الأثرية السكنية في القاهرة التاريخية ويتمثل في بيت جمال الدين الذهبي المبني في عام ١٦٣٧م ويقع في حي الدرب الأحمر. صاحبه كان تاجرًا معروفًا واستغل المشربية الخارجية ليرى السوق في الشارع مما أتاح له متابعة سير أعماله في الخفاء.وعلى الرغم من ندرة المشربيات المُطِلَّة على الشارع–المحاذية للتوجه الداخلي للعمارة الإسلامية نحو الصحن–فإن لها عدة استخدامات خارج المساكن الخاصة.استُعملت المَشْرَبِيَّات أيضًا في الوكالات والمساجد والكنائس القِبْطيَّة.وعلاوة على ذلك، ظلت حرفة الخشب الخرط في الأنماط الزخرفية تستعمل في الأثاث المنزلي، مُتخطِيّة دورها الزخرفي في الشبابيك.

 

وفي أوائل القرن التاسع عشر، منع محمد علي باشا، والي مصر، صناعة المشربيات وفَضَّل استيراد الشبابيك ذات الطراز العُثماني-الإيطالينيت (طراز معماري مستوحى من عمارة النهضة الإيطالية وبيوت الريف في جنوب إيطاليا).كان هذا الإجراء متسقًا مع إصلاحاته الغربية، مما غَيَّر شكل المشهد العمراني للقاهرة تغييرًا جذريًا. وعلى الرغم من أن المشربية عادة ما ينظر لها أنها مُكْتَظَّة بالزخارف من المنظور الغربي، فقد كان المستشرقون مفتونين بها. برزت المشربيات في الأدب والفن الاستشراقي الذي كان يتكرر فيه فكرة ”سحر الشرق“.استجابةً لـمطالب الجمهور الغربي في القرن العشرين، كانت الأعمال الاستشراقية تماثل بين حِجَاب المرأة العربية المسلمة والخفايا بعيدة المنال في الحَرَم.إن شهرة نموذج ”الثقافة المستترة“ شَجَّع على تطور أنماط المَشْرَبِيَّة في الاستعمال الغربي، وتحولت لحِجَاب مطوي يعمل للفَصْل بين الحُجْرات بدل دوره الأصلي بأن يكون مُلحقًا للنافذة.

 

وفي وقتنا الحالي، تبقى المَشْرَبِيَّات مصدر إلهام للمعماريين المعاصرين.ومنذ انكشاف خواصها المستدامة مؤخرًا، خلق لها صحوة في العديد من المباني الأثرية حوالي العالم، ومثال عليه التنفيذ الإبداعي لشبابيك المشربية في عِمَارة أبراج البحر في أبوظبي.في هذا النمط، تقوم الألواح الضوئية المحاطة باثني ألف شمسية بتحديد حِدَّة الضوء، وعلى إثره تعدل الحرارة وإعدادات الإضاءة حسب الحاجة.

المراجع

بيبليوغرافيا

مشربية - المقتنيات، متحف الاّثار مكتبة الإسكندرية.
https://antiquities.bibalex.org/Collection/Detail.aspx?collection=42&a=939&lang=ar

 

Alothman, Hiba. 2017. An Evaluative and Critical Study of Mashrabiya: In Contemporary Architecture. LAP Lambert Academic Publishing. 

 

Dobrowolski, Jarosław. 2001. The Living Stones of Cairo. American University in Cairo Press. 

 

Mohamed, Jehan. 2015. The Traditional Arts and Crafts of Turnery or Mashrabiya. M.A. Thesis, Rutgers University, Camden Graduate School. https://rucore.libraries.rutgers.edu/rutgers-lib/47126/

 

Kenzari, Bechir, and Yasser Elsheshtawy. 2006. “The Ambiguous Veil: On Transparency, the Mashrabiy’ya, and Architecture.” Journal of Architectural Education 56 (4): 17–25. 

 

Marei, Laila Kamal. 2013. “Revival of Mamluk architecture in the 19th & 20th centuries.” M.A. Thesis, American University in Cairo, AUC Knowledge Fountainhttps://fount.aucegypt.edu/etds/873/

 

Mashrabieh (Oriel). Collection of the Bibliotheca Alexandrina Antiquities Museum. [Accessed November 28, 2025]. https://antiquities.bibalex.org/Collection/Detail.aspx?collection=42&a=939&lang=en  

 

Sedky, Ahmed. 2009. Living with Heritage in Cairo: Area Conservation in the Arab–Islamic City. American University in Cairo Press.
 

صور

الصورة: رضوى عبد الله

كل المساهمين
المؤلف

ترجمة لغة عربية: نهال أيمن شلال

تدقيق لغة إنجليزية: نور بهجت

تدقيق لغة عربية: ريهام زين العابدين